تقارير

أزمة الهيليوم العالمية بعد استهداف قطر وتأثيرها على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي

القاهرة: رأي الأمة 

في الوعي الجمعي البسيط يرتبط غاز الهيليوم ببهجة الاحتفالات، وبالونات أعياد الميلاد الملونة التي تتطاير في الهواء، أو ربما بتلك الخدعة الصوتية المضحكة التي يسببها استنشاقه، لكن خلف هذا المظهر السطحي الهش، يختبئ أحد أكثر العناصر استراتيجية وخطورة في العالم.

فـ “الخفة” التي يتميز بها “الهيليوم” ليست سوى قناع لواحد من أكثر العناصر ندرة وخطورة في الميزان الاستراتيجي العالمي، فالغاز الذي يمنح البالونات قدرتها على الطفو، هو ذاته الذي يحمل على عاتقه ثقل الحضارة الرقمية الحديثة، وبدونه تصبح أعتى المعالجات مجرد قطع من السيليكون المحترق، وتتحول أجهزة الرنين المغناطيسي إلى كتل معدنية صماء.

استهداف مدينة “رأس لفان” بداية أزمة الهيليوم

مع تصاعد حدة الصراع الراهن بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوترات فالهجوم على إيران تبعه هجوم عكسي على دول الخليج، ما أدى إلى إعلان قطر وقف إمدادات الطاقة في 2 مارس تبعه إعلان القوة القاهرة في الرابع من الشهر ذاته، وهي الصيغة القانونية التي تعني عجزها التام عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية نتيجة ظروف خارجة عن الإرادة.

 

ومع اشتداد وتيرة الهجمات استهدفت طهران يوم 18 مارس الماضي مدينة رأس لفان الصناعية التابعة لشركة “قطر للطاقة”، ولم يكن الهجوم مجرد رسالة عسكرية عابرة، بل كان زلزالاً ضرب المصنع الأكبر وأحد المصنعين الوحيدين في العالم القادرين على إنتاج الهيليوم فائق النقاء المستخدم في صناعة أشباه الموصلات، وفي غضون أيام قليلة، أدى هذا الاستهداف إلى اختفاء ما يقرب من 30% إلى 40% من الإمدادات العالمية للهيليوم من الأسواق.

الهيليوم.. المنتج الثانوي الذي يقود العمالقة

لفهم عمق الأزمة، يجب إدراك أن الهيليوم في قطر ليس نتاج عملية استخراج مستقلة، بل هو “منتج ثانوي” ثمين يظهر أثناء معالجة الغاز الطبيعي المسال، وعندما أوقفت الهجمات الإيرانية شريان الغاز الطبيعي في رأس لفان، توقف بالتبعية إنتاج الهيليوم.

تعد منشأة رأس لفان القلب النابض لهذا الغاز عالمياً؛ حيث أنتجت قطر وحدها في عام 2025 حوالي 63 مليون متر مكعب، وهو ما يمثل ثلث الإنتاج العالمي البالغ 190 مليون متر مكعب وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وهذا التمركز الإنتاجي يجعل من قطر المصدر الأكثر حيوية في العالم، وأي اضطراب في مرافقها يعني “شللاً نصفياً” في إمدادات الغازات الصناعية العالمية.

صورة 2222222222

الزلزال السعري لهيليوم قطر.. حين تتضاعف التكلفة في أسبوع

لم يتأخر رد فعل الأسواق العالمية على توقف الإنتاج القطري، فمع تعطل الخدمات اللوجستية وتضرر المنشآت، قفزت أسعار الهيليوم بنسب تراوحت بين 40% و100% في بعض الحالات خلال ما يزيد قليلاً عن أسبوع، وفق ما رصدته “رويترز”.

وبحسب “فيل كورنبلث”، رئيس شركة كورنبلث للاستشارات، فإن الوضع الحالي “يزيد الأمر سوءاً”، حيث أن أفضل السيناريوهات المتفائلة كانت تتحدث عن عودة جزئية للإنتاج خلال ستة أسابيع، لكن الأضرار الواسعة جعلت هذا الاحتمال مستبعداً تماماً الآن.

كابوس هرمز اللوجستي.. 200 حاوية هيليوم اقترب عمرها الافتراضي من النهاية

لا تقتصر الأزمة على توقف الإنتاج، بل تمتد إلى معضلة لوجستية معقدة تتعلق بنقل هذا الغاز، فالهيليوم يتميز بخصائص فيزيائية تجعل تخزينه ونقله مهمة شاقة؛ إذ يجب تبريده إلى ما دون -269 درجة مئوية ليتحول إلى سائل، ويُشحن في حاويات متخصصة ثنائية الطبقات، تُملأ طبقتها الخارجية بالنيتروجين السائل لحماية الهيليوم من الحرارة.

ومع إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية الغربية منذ بدء النزاع، علقت نحو 200 حاوية هيليوم متخصصة (تكلفة الواحدة منها مليون دولار) داخل المنطقة المحاصرة، وبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” تمتلك هذه الحاويات “عمراً افتراضياً” للتخزين يتراوح بين 35 و48 يوماً فقط.

وتشير “فايننشال” إلى أنه بمجرد نفاد النيتروجين السائل، سيسخن الهيليوم ويتمدد ليتحول إلى غاز يتسرب عبر صمامات الأمان، مما يعني فقدان الشحنات تماماً وتحول الحاويات إلى أدوات فارغة تحتاج لأشهر لإعادة تموضعها وتعبئتها من جديد.

لماذا ترتعد شركات التكنولوجيا من نقص الهيليوم؟

الإجابة تكمن في مراحل تصنيع الرقائق الإلكترونية، فالهيليوم هو “المبرد المثالي” الذي لا يمكن تعويضه بغيره لنقل الحرارة بسرعة فائقة أثناء نقش الدوائر الدقيقة على رقاقات السيليكون، كما يُستخدم الهيليوم لتنظيف الرقائق من البقايا السامة بعد غسلها بالمواد الكيميائية.

وبحسب كارا جلوب “شركة متخصصة في تقديم خدمات الشحن العالمية والإلكترونية التجارية” فبدون توفر كميات كافية من الهيليوم، ستواجه شركات كبرى مثل “تايوان لتصنيع أشباه الموصلات” (TSMC) و”سامسونج” و”إس كيه هاينكس” صعوبات بالغة في استمرار خطوط إنتاجها، وهذا لا يعني نقصاً في الحواسيب فحسب، بل يمتد التأثير ليطال خوادم الذكاء الاصطناعي من “إنفيديا” وأجهزة “آيفون” من “أبل”، مما يضع الاقتصاد الرقمي العالمي أمام خطر التوقف المفاجئ.

صورة 3333333333

هيليوم قطر.. محرك صناعة التكنولوجيا في آسيا

تكشف بيانات بنك باركيليز عن هشاشة سلاسل التوريد في شرق آسيا، حيث تعتبر كوريا الجنوبية وتايوان الدولتين الأكثر تضرراً من هذه الأزمة:

كوريا الجنوبية: استوردت نحو ثلثي (65%) وارداتها من الهيليوم من قطر العام الماضي، وبشكل عام تعتمد بنسبة 55% على دول مجلس التعاون الخليجي.

تايوان: تعتمد بشكل أكبر بنسبة 69% على إمدادات الهيليوم القادمة من دول الخليج.

هذا الانكشاف الكبير جعل حكومة سيول تضع الهيليوم ضمن “14 مادة حرجة” تحت المراقبة اللصيقة، ورغم امتلاك شركات مثل “سامسونج” لمخزونات قد تكفي لعدة أشهر، إلا أن إطالة أمد الحرب تعني حتماً نفاد هذه المخزونات والدخول في نفق العجز الإنتاجي.

من الصحة للفضاء.. ما هي القطاعات المتأثرة بنقص الهيليوم؟

وفقًا لـ جونغ هوان لي، أستاذ أجهزة أشباه الموصلات في جامعة سانغميونغ بكوريا الجنوبية، في تصريحات لشبكة “cnbc”، لا تتوقف مأساة الهيليوم عند حدود الرقائق؛ فالبشرية مهددة في صحتها أيضاً، إذ يُستخدم الهيليوم السائل لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) وفي حال استمرار النقص، قد يواجه القطاع الطبي العالمي أزمة في تشخيص الأمراض المستعصية.

صورة 44444444444

أما في قطاع الفضاء، فيعتبر الهيليوم عنصراً حيوياً لتطهير وتفريغ خزانات وقود الصواريخ، ومع زيادة وتيرة الرحلات الفضائية لشركات مثل “سبيس إكس” و”بلو أوريجين”، فإن نقص هذا الغاز قد يؤدي إلى تأجيل المهمات الفضائية الطموحة، مما يضيف بعداً آخر للأزمة الجيوسياسية.

الاحتياطيات العالمية لـ الهيليوم.. قطر تتصدر دول العالم

بحسب تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الصادر في أوائل عام 2026، تبرز قطر كأكبر مالك لمخزون الهيليوم القابل للاستخراج في العالم:

قطر: 10.1 مليار متر مكعب.

الولايات المتحدة: 8.49 مليار متر مكعب.

الجزائر: 8.2 مليار متر مكعب.

روسيا: 6.8 مليار متر مكعب (لكنها تحت مقصلة العقوبات الغربية).

هذه الأرقام تظهر بوضوح أن قطر ليست مجرد مورد، بل هي “صمام الأمان” العالمي. ومع فقدان 17% من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال القطري بسبب الأضرار، فإن العالم فقد فعلياً قدرة تعويض هذا النقص من مصادر أخرى، خاصة وأن الإنتاج الروسي محظور والإنتاج الأمريكي لا يكفي لسد الفجوة العالمية.

صورة 55555555555

المستقبل القاتم.. خمسة أضعاف الطلب على الهيليوم بحلول 2035

بينما يصارع العالم النقص الحالي، تشير التوقعات المستقبلية إلى صورة أكثر تعقيداً؛ فشركة الأبحاث “IDTechEx” تتوقع أن الطلب على الهيليوم في صناعة أشباه الموصلات سيزداد خمسة أضعاف بحلول عام 2035، هذا النمو مدفوع بتزايد تعقيد الرقائق والحاجة لعمليات تبريد أكثر كثافة، ومع إعلان شركات التصنيع أنها قد لا تحقق أهدافها لعام 2030 بسبب هذا الاضطراب، يصبح السؤال المطروح: كيف سيعوض العالم نقصاً قدره 33% في الإمدادات العالمية في ظل صراع جيوسياسي قد يطول؟.

معضلة الهيليوم.. حين يقرر “الأخف” مصير “الأثقل”

تظل المفارقة الأساسية في هذه الأزمة هي التباين المذهل بين طبيعة الهيليوم وتأثيره، فهذا الغاز الذي يعد أبسط العناصر بعد الهيدروجين وأخفها وزناً، أثبت أنه يمتلك القدرة على “إغراق” الاقتصاد العالمي في أزمة لا قبل له بها، فما حدث في رأس لفان لم يكن مجرد هجوم عسكري، بل كان كشفاً للمستور عن هشاشة نظامنا التكنولوجي الذي يعتمد على جزيئات صغيرة تتسرب من أصغر الفجوات.

لقد تحولت “بالونات الاحتفال” إلى “قنابل موقوتة” في سلاسل التوريد، واليوم يدرك العالم أن أمنه التكنولوجي لا يحرسه الجنود فحسب، بل تحرسه أيضاً جزيئات الهيليوم السائلة القابعة في أعماق آبار الغاز القطرية، بعيداً عن صواريخ النزاعات ومسيرات الحروب، وفي نهاية المطاف، يبقى الهيليوم المثال الأوضح على كيف يمكن لعنصر خفيف أن يحمل تأثيراً ثقيلاً، يمتد من مصانع الرقائق في تايوان إلى غرف التشخيص الطبي في نيويورك، مروراً بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

للمزيد : تابعنا هنا ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر .

زر الذهاب إلى الأعلى