فن ومشاهير

في ذكرى رحيل الشحرورة.. رحلة مجد من الجبل إلى العالمية

القاهرة: رأي الأمة 

ذكرى رحيل أحد أعظم رموز الفن العربي الفنانة اللبنانية صباح الملقب ب "شحرور" و "صباح"تركت إرثا فنيا كبيرا بعد مسيرة تجاوزت 6 عقود في الغناء والتمثيل. كانت رمزاً للجمال والإبداع والحضور الفني الذي جمع لبنان ومصر والعالم العربي.

 

ولدت جانيت جورجي فغالي في 10 نوفمبر 1927 في بلدة البدون القريبة من منطقة وادي شحرور قرب بيروت. وهي الابنة الثالثة لعائلتها بعد شقيقتيها جولييت ولمياء، وشقيقها الأصغر أنطون، وخالها الشاعر أسعد فغالي. "شحرور الوادي".

 

وكان مقتل شقيقتها الكبرى جولييت برصاصة عندما كانت في العاشرة من عمرها، بمثابة صدمة كبيرة في حياتها، وكان السبب في انتقال العائلة إلى بيروت، حيث التحقت بالمدرسة الرسمية، ثم المدرسة اليسوعية، وبدأت المشاركة في الحفلات المدرسية منذ سن الثانية عشرة.

 

شهد انتقالها من قريتها إلى بيروت تغييراً كبيراً في حياتها. وبدأت تجذب الأنظار بنشاطها وحيويتها وحبها للغناء والعزف "الأميرة هند"والتي شاركت فيها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، واقترحت عليها الراهبة المشرفة أن تشرب 5 بيضات يوميا لتحسين صوتها. كما شجعها الممثل الراحل عيسى النحاس وساعدها في توفير الملابس الخاصة بالدور.

 

ورغم اعتراض والدها على وقوفها على المسرح، إلا أنه وافق لاحقا لأن النشاط كان تحت إشراف الراهبات، وحضر المسرحية القيصر يونس صهر المنتجة اللبنانية آسيا داغر، الذي نصح والدها بالسماح لها بدخول مجال السينما، فكانت تلك بداية الطريق إلى مصر.

 

رافقت والدها إلى القاهرة، وفي إحدى المقاهي بشارع فؤاد الأول ولد اسمها الفني "صباح"وقد أطلق عليها الشاعر صالح جودت لقبها لأن وجهها كان مشرقا مثل نور الصباح، وقيل إن آسيا نشرت صورة جانيت في إحدى المجلات. "صباح مصري" وطلبت من القراء اختيار اسم فني للوجه السينمائي الجديد، وكان الإجماع: "صباح".

 

جلبت آسيا كبار الملحنين للاستماع إليها والتعبير عن رأيهم في صوتها. وأكدوا أن صوتها لم يكتمل بعد، لكن المخرج هنري بركات وجدها مناسبة للتمثيل السينمائي بسبب خفة دمها، وفي عام 1943 ظهرت في أول فيلم لها. "القلب له أحكام" وغنت مع أنور وجدي أغاني من ألحان رياض السنباطي وزكريا أحمد، وحصلت على 150 جنيها، وارتفع أجرها تدريجيا بعد ذلك.

 

ومع نضجها فنياً، تحولت الشحرورة إلى مغنية حقيقية، وتميز صوتها بقدرتها على أداء المواويل الجبلية التي تمتد على 14 مقاماً صوتياً. ساهمت في إدخال الأغنية اللبنانية إلى مصر، وأتقنت اللهجة المصرية بعد التعاون مع ملحنين كبار مثل رياض السنباطي، وفريد ​​الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي.

 

وتحول صباح إلى أحد أبرز نجوم السينما في مصر ولبنان، وقدم نحو 85 فيلما إلى جانب كبار الممثلين، منهم رشدي أباظة، وأحمد مظهر، ومحمد فوزي، وفريد ​​الأطرش. ومن أشهر أعمالها: "عدو المرأة" 1946, "الآنسة ماما" 1950, "أحبابي ظلموني" 1953, "كيف يمكنني أن أنساك؟" 1956, "شارع الحب" 1958, "العتبة الخضراء" 1959, "الليالي الدافئة" 1961, "حبيبتي الحشد" 1964, "مليونير" 1966, "تحدث عن الحب" 1973, "ليلة بكى فيها القمر" 1980، و"أيام اللولو" 1986.

 

كما قدمت 27 مسرحية وأكثر من 3500 أغنية، ووصل صداها إلى حدود الوطن العربي، حيث غنت على المسارح العالمية مثل قاعة كارنيجي – نيويورك، وقاعة ألبرت الملكية – لندن، ودار أوبرا سيدني – أستراليا.

 

وعلى المستوى الشخصي، تزوجت صباح عدة مرات، وتشير المصادر إلى أنها ارتبطت بتسع زيجات، أبرزها: نجيب شماس (والد ابنها الدكتور صباح شماس)، وعازف الكمان أنور منسي (والد ابنتها هويدا منسي)، ورشدي أباظة، والمذيع أحمد فراج. ورغم نجاحها الفني، إلا أن حياتها الشخصية شهدت تحديات كبيرة في سنواتها الأخيرة.

 

لقد ذهبت "صباح" عن عالمنا يوم 26 نوفمبر 2014 عن عمر يناهز 87 عاماً في أحد فنادق بيروت. وبحسب روايات قريبة منها، أوصت بأن يكون وداعها احتفالا وليس حزنا. وأقيمت جنازتها في كاتدرائية القديس جاورجيوس وسط بيروت بحضور فنانين وشخصيات عامة ومحبيها.

 

ووصف رحيلها بخسارة جزء من زمن الفن التشكيلي، إذ كانت رمزا للعصر الذهبي بين الأربعينيات والستينيات، وقيمة فنية جسدت شغف وإصرار طفلة قادمة من قرية لبنانية صغيرة إلى نجم عربي وعالمي. ولم يكن رحيلها مجرد غياب فنانة كبيرة، بل نهاية فصل كامل في تاريخ الفن العربي، حيث ظلت أعمالها شاهدة على صوت وحضور لا يتكرر، وكلما عاد صوتها إلى الأثير، عاد معه زمن الإبداع والرقي والجمال الذي لا يزول.

 

للمزيد : تابعنا هنا ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر .

زر الذهاب إلى الأعلى