الرأي العام والمنصات الرقمية: كيف تصنع السوشيال ميديا ملامح سباق الشيوخ؟

جهاد علي
في زمن الإعلام الرقمي، لم تعد الحملات الانتخابية تدار فقط عبر المؤتمرات التقليدية أو اللقاءات الشعبية، بل باتت المنصات الرقمية تحتل الصدارة في تحديد ملامح المنافسة، وصناعة الرأي العام، والتأثير في اختيارات الناخبين، خصوصًا مع اقتراب انتخابات مجلس الشيوخ 2025. ومع الانتشار الواسع لمنصات مثل فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، وتيك توك، بات من الممكن لأي مرشح أن يُوصل رسالته إلى مئات الآلاف من المواطنين بنقرة واحدة، كما أصبح الجمهور نفسه طرفًا فاعلًا في تقييم المرشحين، وصناعة ترندات قد تُربك حسابات الأحزاب ودوائر صنع القرار.
منذ بداية العام، رصدت منصات المراقبة السياسية في مصر تصاعدًا في النشاط الانتخابي الرقمي، إذ بدأ عدد من المرشحين المحتملين في إطلاق صفحات رسمية، ونشر مقاطع فيديو ترويجية، وتقديم أنفسهم عبر محتوى بصري مباشر، يُظهر قربهم من الناس، ووعودهم بالعمل على ملفات معيشية تلامس هموم الشارع. ويستخدم هؤلاء المرشحون الوسوم الرائجة (الهاشتاغات) لجذب الانتباه، أو يشاركون في النقاشات السياسية الدائرة، لتثبيت حضورهم في أذهان المتابعين.
ويُلاحظ أن المنصات المختلفة تؤدي أدوارًا متباينة بحسب طبيعة الجمهور. فـ”فيسبوك” لا يزال المنصة الأكثر استخدامًا من قبل المرشحين في المناطق الريفية والمناطق الشعبية، نظرًا لانتشاره الواسع بين المستخدمين فوق سن 30 عامًا. في حين يُفضل المرشحون الشباب “إنستغرام” و”تيك توك” للتواصل مع الجيل الأصغر، عبر محتوى خفيف وسريع الانتشار، يعتمد على الفيديوهات القصيرة والموسيقى والتفاعل اللحظي. أما “تويتر”، فيُستخدم غالبًا في الترويج لمواقف سياسية أو الرد على القضايا العامة، ويشكّل منبرًا للنخبة والإعلاميين.
هذا التحوّل في أدوات الدعاية فرض نفسه بقوة على الأحزاب السياسية، إذ لم تعد الحملات الانتخابية تعتمد فقط على اللافتات والندوات والمؤتمرات، بل أصبح من الضروري توظيف فرق تسويق رقمي، وخبراء في إدارة المحتوى، وتصميم الإعلانات المموّلة، التي تستهدف فئات بعينها بناءً على اهتماماتهم الجغرافية والعمرية والاجتماعية. وتشير تقارير إعلامية إلى أن بعض الأحزاب خصصت ميزانيات ضخمة للحملات الرقمية تفوق أحيانًا ما يُنفق على الدعاية الميدانية.
الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد انعكاس للواقع السياسي، بل أصبح فاعلًا فيه، يوجّه بوصلة الاهتمام، ويصنع “نجوم” السوشيال ميديا من مرشحين لا يملكون بالضرورة حضورًا قويًا على الأرض، لكنهم يتمتعون بمهارات تواصل عالية. هذا ما لاحظناه في انتخابات سابقة، حيث تفوّق بعض المرشحين على منافسيهم من خلال استخدام المحتوى الإبداعي والتفاعل المباشر مع الناس، بما في ذلك الرد على التعليقات، وتبني قضايا حقيقية كارتفاع الأسعار أو جودة التعليم والخدمات.
لكن في المقابل، لا تخلو هذه الساحة من التحديات، إذ أن الفضاء الرقمي أصبح أيضًا مساحة للصراع والتشويه المتبادل بين المرشحين، حيث تُستخدم صفحات وهمية لتسريب معلومات خاطئة أو هجمات منظمة، أو الترويج لشائعات تمس الحياة الشخصية للخصوم. وهنا تظهر الحاجة إلى تدخل الهيئة الوطنية للانتخابات، ووضع ضوابط واضحة للدعاية الرقمية، بما في ذلك سقف الإنفاق على الإعلانات المموّلة، وضمان المساواة بين المرشحين في الترويج الإلكتروني.
جانب آخر مهم يتعلق بتفاعل المواطنين أنفسهم، الذين باتوا يمتلكون قدرة حقيقية على التأثير، من خلال إعادة نشر المحتوى، أو صناعة ترندات تنتقد مرشحًا ما، أو تطالب بدعم آخر، مما يخلق ضغطًا جماهيريًا مباشرًا قد يؤثر في قرارات الأحزاب، أو حتى في توجهات الناخبين في اللحظات الأخيرة. وقد رُصد في الفترة الأخيرة اتجاه واضح لاستخدام المنصات الرقمية في كشف الفجوات بين وعود بعض المرشحين وسيرهم الذاتية الفعلية، ما يعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا لدى شرائح من الناخبين، خصوصًا في المدن الكبرى.
وفي إطار التفاعل الإيجابي، أطلقت بعض المنظمات الشبابية حملات “تقييم رقمي للمرشحين”، عبر منصات إلكترونية تتيح للمواطنين وضع تقييم عام لأداء المرشحين، وبرامجهم، وتفاعلهم مع الجمهور، مما يعزز من فكرة الشفافية والمساءلة، ويخلق حوارًا مباشرًا بين الناخب والمرشح بعيدًا عن الوسائط الرسمية.
اللافت أيضًا أن بعض المرشحين استخدموا وسائل مبتكرة في مخاطبة الجمهور، مثل “البث المباشر” من داخل منازلهم أو مكاتبهم، للرد على أسئلة المواطنين بشكل عفوي، أو توثيق جولاتهم في الشوارع والأسواق، وهي طريقة تكسر الحواجز وتُضفي طابعًا إنسانيًا على الحملة الانتخابية، بعيدًا عن الصورة الرسمية المعتادة. ويُتوقع أن تزيد هذه الأساليب من تفاعل الجيل الجديد، الذي لا يتابع الإعلام التقليدي بنفس الاهتمام، ويفضّل منصات تتيح له طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار دون رقابة.
ومع اقتراب يوم الاقتراع، تزداد أهمية المحتوى الرقمي، خاصة في توجيه undecided voters (الناخبين المترددين)، الذين يُشكّلون نسبة لا يُستهان بها، وغالبًا ما يحددون اختياراتهم في اللحظات الأخيرة بناءً على انطباعاتهم من المحتوى المرئي والرسائل الرقمية. وهذا ما يجعل الدقائق الأولى من فيديو أو البوست الواحد على “تيك توك” أو “فيسبوك” أكثر تأثيرًا من خطاب كامل في مؤتمر تقليدي.


