تقارير

ماذا تغيّر في قانون الشيوخ؟ تعديلات تشريعية تفتح الطريق أمام وجوه جديدة

جهاد علي

مع بدء العد التنازلي لانتخابات مجلس الشيوخ 2025، تتجه الأنظار إلى أبرز المستجدات القانونية التي طالت النظام الانتخابي والترشح، بعدما أقرّ البرلمان خلال الأشهر الماضية عددًا من التعديلات التشريعية التي تُعد الأكثر تأثيرًا في شكل المنافسة المقبلة. وقد لاقت هذه التعديلات ترحيبًا واسعًا من جانب فئات شبابية ومرشحين مستقلين وأحزاب صغيرة، باعتبارها تفتح الباب أمام وجوه جديدة للمنافسة وتعزز فرص التنوع في التمثيل، في حين تحفظت بعض القوى التقليدية عليها معتبرة أن تغيّر قواعد اللعبة في اللحظة الأخيرة يُربك الاستعدادات ويعيد توزيع النفوذ من جديد.

ويُعد القانون رقم 141 لسنة 2020 المنظّم لمجلس الشيوخ هو الإطار الرئيسي الذي يتم من خلاله إدارة الانتخابات، وكان البرلمان قد وافق على مجموعة من التعديلات عليه في جلسة خاصة في مارس 2025، بهدف تطوير العملية الديمقراطية وزيادة فرص المشاركة السياسية للفئات غير الممثلة بشكل كافٍ. وقد شملت التعديلات ثلاث محاور رئيسية: تعديل نسب النظام الانتخابي، وتوسيع شروط الترشح، وتعديلات في شروط التعيين والتمثيل داخل المجلس.

أول هذه التعديلات وأكثرها إثارة للجدل هو تعديل نظام انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ، حيث أصبحت نسبة القوائم المغلقة المطلقة 50% بدلاً من 75% كما كان سابقًا، مع رفع نسبة المقاعد الفردية إلى 50%. ويهدف هذا التعديل إلى زيادة الفرصة أمام المرشحين المستقلين وذوي القواعد الشعبية في دوائرهم، ممن لا يتمكنون من الدخول في تحالفات حزبية كبرى، مما يعني أن الساحة ستشهد تنوعًا أكبر في الأسماء والاتجاهات.

أما التعديل الثاني، فيتعلق بـ شروط الترشح لمجلس الشيوخ، حيث تم خفض الحد الأدنى للعمر من 35 إلى 30 عامًا، وهو ما لقي ترحيبًا واسعًا من الأوساط الشبابية والأكاديمية، لأنه يفتح المجال أمام مشاركة فعّالة لشريحة كبيرة من الشباب المؤهلين، والذين تم تأهيل بعضهم بالفعل من خلال برامج حكومية كالأكاديمية الوطنية للتدريب. كما تم تخفيض رسوم الترشح من 10 آلاف جنيه إلى 5 آلاف فقط، مع إمكانية الإعفاء الكلي للحالات التي تُثبت عدم قدرتها المالية، ما يُعد خطوة نحو تقليص أثر المال السياسي في تشكيل المجلس.

وشملت التعديلات أيضًا تعديلات على آلية التعيين، إذ أصبح لرئيس الجمهورية الحق في تعيين ثلث أعضاء المجلس، على أن يُراعى في هذا التعيين تمثيل المرأة والشباب وذوي الهمم، مع وضع معايير أكثر دقة لاختيار الشخصيات العامة والكفاءات. وقد نُظر إلى هذا البند باعتباره محاولة لضمان التوازن داخل المجلس، وتمثيل الشرائح التي قد لا تنجح انتخابيًا لأسباب تتعلق بالنظام أو بالتمويل.

واحدة من أبرز الإضافات كذلك هي المادة الخاصة بـ التمثيل الجغرافي والعادل للمحافظات، حيث ألزم القانون الجديد الأحزاب بتقديم قوائم انتخابية تشمل مرشحين من محافظات متعددة وليس فقط من دوائرهم القوية، ما يمنح الفرصة لممثلي المناطق المهمشة أو الأقل حظًا في التغطية الإعلامية، للدخول في معترك الانتخابات والمنافسة على المقاعد.

وقد أثارت هذه التعديلات جدلًا داخل بعض الأحزاب الكبرى، التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة هيكلة قوائمها واختيار مرشحين جدد لتلبية شروط التنوع الجغرافي والعمري، كما دفعت بعض الرموز القديمة إلى التراجع بسبب تضييق الفرصة أو اشتداد المنافسة مع دماء جديدة قد تحظى بقبول شعبي أكبر.

ورغم أن التعديلات حملت نوايا إصلاحية واضحة، إلا أن هناك من يرى أنها جاءت متأخرة نسبيًا، حيث لا يفصلنا عن موعد فتح باب الترشح سوى أسابيع قليلة، ما يُربك الحسابات الانتخابية ويُقلّل من قدرة بعض المرشحين على الاستعداد بشكل فعّال. كما انتقد آخرون استمرار غياب كوتة ملزمة للمرأة أو تمثيل الشباب في القوائم المغلقة، معتبرين أن النصوص لا تزال تحتمل تأويلًا، وتُترك لتقدير الأحزاب التي قد لا تراعي التنوع الفعلي.

في المقابل، ثمّن مراقبون محايدون هذه التعديلات، واعتبروها جزءًا من خطة الدولة لتطوير البنية السياسية والتشريعية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب وجود برلمان أكثر تمثيلًا وقدرة على التشريع الجاد والرقابة. وأكدوا أن رفع نسبة المقاعد الفردية هو بمثابة “صمام أمان ديمقراطي”، لأنه يتيح للناخب اختيار مرشح بعينه بعيدًا عن القوائم التي قد تفرض أسماء غير معروفة أو تكرّس للتمثيل الحزبي المغلق.

من جهة أخرى، دفعت التعديلات عددًا كبيرًا من الشباب والكوادر الأكاديمية والمهنية للإعلان عن نيتهم الترشح، إذ بدأت تظهر حملات انتخابية تمهيدية على وسائل التواصل الاجتماعي، يُعلن من خلالها شباب وشابات نيتهم خوض التجربة، وسط دعم من مؤسسات مجتمع مدني ومبادرات شبابية تهدف لتدريبهم على إدارة الحملات، وكتابة البرنامج الانتخابي، والتواصل الجماهيري.

وبينما تستعد الهيئة الوطنية للانتخابات لإصدار الجدول الزمني الرسمي، يتوقع محللون أن تؤدي هذه التعديلات إلى تغيير ملموس في تركيبة المجلس القادم، ليس فقط من حيث الوجوه، بل من حيث طبيعة الأداء أيضًا، حيث ستصبح الحاجة إلى برلمان متفاعل مع الواقع أكثر إلحاحًا، خاصة مع تنامي الوعي الشعبي، وتزايد الأزمات الاقتصادية التي تطلب حلولًا تشريعية عاجلة وعملية.

وفي ضوء هذه التغيرات، يتوقع أن تكون انتخابات الشيوخ 2025 هي الأكثر انفتاحًا منذ إعادة تشكيل المجلس، وربما الأكثر تنوعًا من حيث المرشحين والفئات الممثلة، ما قد يُعيد الثقة تدريجيًا بين المواطن والعملية السياسية، ويدفع مزيدًا من المواطنين للمشاركة في التصويت باعتباره وسيلة للتأثير الحقيقي في صنع القرار.

زر الذهاب إلى الأعلى