تقارير

هل يتغذى نحل العسل على أجساد الموتى؟ خبير يكشف حقيقة العسل داخل المقابر

شهدت قرية الكمايشة بمركز تلا في محافظة المنوفية واقعة غير مألوفة، بعدما تحول فتح مقبرة مغلقة منذ أكثر من خمس سنوات إلى اكتشاف مذهل، حيث عثر الأهالي على نحو 13 خلية نحل كاملة داخل المدفن. هذا الاكتشاف أثار دهشة السكان وأثار جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت بعض التعليقات التي تتساءل عما إذا كان نحل المقبرة يتغذى على الجيف أو الأنسجة البشرية لإنتاج العسل.

للإجابة على هذه التساؤلات، تواصل موقع صدى البلد مع الدكتور حسني شرف الدين، أستاذ الحشرات الاقتصادية وتربية نحل العسل بكلية الزراعة جامعة المنوفية، الذي أوضح الحقيقة العلمية وراء هذا الاكتشاف الغريب. وأكد شرف الدين أن نحل العسل يعتمد في غذائه على الرحيق وحبوب اللقاح، حيث تمثل حبوب اللقاح المصدر الرئيسي للبروتين، بينما يقوم النحل بتحويل الرحيق إلى عسل عبر عمليات فسيولوجية دقيقة داخل جسمه.

وأشار الخبير إلى أن النحل يستخدم معدة خاصة تعرف باسم معدة العسل لجمع الرحيق، وهي منفصلة عن الجهاز الهضمي، حيث يقوم النحل أثناء الجمع بإفراز إنزيم الإنفرتيز الذي يحول السكروز الموجود في الرحيق إلى سكريات أحادية مثل الجلوكوز والفركتوز، وهي المكونات الأساسية للعسل. وأوضح أن الرحيق يحتوي على نسبة رطوبة مرتفعة قد تصل إلى 60%، بينما يجب أن تنخفض نسبة الرطوبة في العسل الجيد إلى حوالي 18% فقط، لذلك يعمل النحل على تبخير المياه الزائدة بوسائل متكاملة أثناء تجهيز العسل داخل الخلية.

وأضاف شرف الدين أن العملية لا تقتصر على جمع الرحيق فقط، بل يشترك النحل الحاضن داخل الخلية في استكمال عملية تبخير الرحيق. حيث يخزن الرحيق في العيون الشمعية، وتقوم الشغالات برفرفة أجنحتها لتسريع تبخر المياه، ثم يتم تغطية العسل بطبقة من الشمع لحمايته من امتصاص الرطوبة مرة أخرى. وأكد أن العسل عند هذه المرحلة يصبح بيئة غير مناسبة لنمو البكتيريا والكائنات الدقيقة، مما يضمن بقاءه صالحًا لفترات طويلة دون أن يفسد.

وفيما يتعلق بالفكرة الشائعة عن إمكانية إنتاج العسل من الجيف أو أنسجة الكائنات الميتة، نفى الخبير ذلك تمامًا، مؤكدًا أن العسل لا يمكن أن يُصنع من الجثث أو المخلفات العضوية، لأن النحل بطبيعته يستخدم الرحيق كمادة أساسية وليس البروتينات الموجودة في الأنسجة الحية. وبالتالي، فإن وجود خلايا النحل داخل المقبرة لا يعني أن العسل يتكون من بقايا الموتى، وإنما يتغذى النحل على الرحيق وحبوب اللقاح التي تم جمعها من النباتات المحيطة.

وأوضح شرف الدين أيضًا أن لون العسل يختلف حسب مصدر الرحيق، وليس مكان وجود النحل، حيث تميل بعض أنواع العسل الداكنة لأن تكون أعلى في القيمة الغذائية من الأنواع الفاتحة، وذلك تبعًا لطبيعة النباتات المزهر ومصدر الغذاء. وأشار إلى أن العسل يتمتع بخصائص فريدة تجعله صالحًا للأكل لفترات طويلة، حيث أن البيئة داخل الخلية غير مناسبة لنمو الميكروبات، مما يفسر اكتشاف عينات عسل صالحة للاستهلاك حتى داخل المقابر الفرعونية بعد آلاف السنين.

كما شدد الخبير على أن اكتشاف خلايا النحل داخل المقابر لا يشكل أي خطر صحي على الإنسان، ولا يؤثر على جودة العسل المنتج، بشرط أن يتم جمعه ومعالجته وفق الأساليب الصحيحة والمعايير الصحية المتعارف عليها. وأضاف أن العسل الطبيعي، سواء كان موجودًا داخل خلية في الحقول أو داخل أماكن مغلقة، يحتفظ بفوائده الغذائية والطبية، مثل تقوية جهاز المناعة، تحسين الهضم، وخصائص مضادة للبكتيريا، طالما تم تخزينه في ظروف مناسبة بعد الجمع.

وفي ختام تصريحه، أكد الدكتور شرف الدين أن مثل هذه الظواهر قد تبدو غريبة أو مثيرة للجدل، لكنها تحمل دروسًا علمية حول سلوك النحل وتكيفه مع البيئات المختلفة. فوجود خلايا نحل في مقابر مغلقة يعود إلى قدرة النحل على استغلال الفراغات المغلقة كأماكن للحماية والبناء، وليس بسبب أي نوع من التغذية الغريبة أو غير الطبيعية.

وتعد هذه الواقعة فرصة لتسليط الضوء على أهمية النحل في البيئة والزراعة، حيث يساهم بشكل مباشر في تلقيح النباتات وزيادة إنتاج الغذاء، إضافة إلى إنتاج العسل الطبيعي، الذي يعد مصدرًا مهمًا للطاقة والعناصر الغذائية الضرورية للإنسان. كما تؤكد الواقعة على قدرة النحل على التكيف مع البيئات المختلفة، حتى تلك التي تبدو غير مأهولة أو مغلقة لفترات طويلة، ما يعكس الذكاء البيولوجي لهذا الكائن الصغير.

في النهاية، تعتبر حالة اكتشاف خلايا النحل داخل المقابر بمثابة مثال علمي حي على سلوك النحل وطريقة إنتاج العسل الطبيعي، وتؤكد أن العسل يظل أحد أكثر المنتجات الغذائية أمانًا وفائدة للإنسان، مهما اختلفت الظروف المحيطة، طالما تم التعامل معه بالطريقة الصحيحة. كما تبرز أهمية توعية الجمهور بالمعلومات العلمية الصحيحة لتفادي الخرافات والأساطير حول طبيعة غذاء النحل ومصدر العسل، وبالتالي تعزيز فهم المجتمع للفوائد الغذائية والطبية للعسل الطبيعي.

زر الذهاب إلى الأعلى