وسائل الاعلام

الغارمون وأولويات السياسات العامة!

القاهرة: رأي الأمة

تداولت وسائل الاعلام اليوم خبر بعنوان: الغارمون وأولويات السياسات العامة!، وتستعرض رأي الأمة مع حضراتكم محتوي الخبر.

تابع آخر الأخبار عبر التطبيق

لا بد أن أعترف بأنني لم أكن على حق في قضية المدينين، فقد كنت أتبادل الآراء حول هذه القضية مع الزملاء والأصدقاء، وكان الجميع يرفض مساعدة المدينين، وفي تلك المرحلة كنت أعمل مستشارة إعلامية لوزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، وواجهت العديد من المشاكل التي تسبب فيها انخراط الآباء في إعالة بناتهم بما يفوق قدراتهم، مما أدى إلى تخلفهم عن سداد الدين وتهديدهم بالسجن. ولجأ البعض إلى “التضامن” للبحث عن حل، عادة قبل موعد جلسة المحكمة. وكثيراً ما باءت محاولاتي، سواء على المستوى المؤسسي أو من خلال الحلول الفردية، بالفشل. ولم أكن أفهم تماماً أسباب الفشل في ذلك الوقت، ولكنني كنت أشعر أحياناً بخيبة الأمل وأتقبل اعتذارات البعض عن عدم المساعدة. وكان هناك من قال لي بصراحة: “الناس تعرف أن مصيرها السجن، ومع ذلك تقترض وتكتب سندات دين!”

أعترف الآن أنني كنت مخطئا، فما يخفي في هذه المشكلة أعظم مما يبدو. فمن الضروري التحقق من المستفيدين من الدعم، وأنهم الأكثر استحقاقا له، وهذه مسؤولية تقع عادة على عاتق المانح، وهي حلقة من حلقات مشكلة معالجة الفقر، وخاصة الفقر المتعدد الأبعاد، وهي مهمة السياسات العامة التي تضعها الحكومة؛ فهي ليست “عملا خيريا” يقدم للفقراء، بل هي حق لهم. وهي مهمة معقدة من حيث قياس الفقر وتحديد الفقراء. والدول النامية، بما في ذلك مصر، لا تزال في بداية الطريق إلى ضبط هذه السياسات وتفعيلها حتى تصل المساعدات والدعم وكل وسائل الحماية والرعاية إلى مستحقيها.

أذكر أنني ذهبت ذات مرة إلى وكيل الوزارة كمال الشريف رحمه الله، فأبلغته بحالة تعثر سيدة ستينية مديونة بأكثر من مائة ألف جنيه، بالإضافة إلى مبلغ مماثل في إيصالات يستخدمها الدائن عادة لتهديد المدين بالسداد، وعندما قرأنا قائمة مستلزمات الزفاف المسجلة في الدين، أصابتنا الصدمة، وبالطبع تضاعفت صدمتي بسبب اختلاف الخبرة، حيث تضمنت القائمة ثلاجة وديب فريزر وموقد وميكروويف وحقيبة أدوات مائدة وغسالتين واحدة أوتوماتيكية وأخرى عادية للأطفال وأربعة وعشرين طقم ملايات وسجاد وثريا ومكيف ومروحتين وماكينة طبخ ومجموعة أواني ستانلس ستيل.

فوجئنا بكل هذه المشتريات، خاصة وأن بعض هذه التجهيزات تعتبر من الكماليات، فأجابتنا العمة التي حضرت نيابة عن الأم “المختفية” هرباً من ملاحقة الدائنين، بأنها أصبحت ضرورية لإسعاد “العروس” مثل بقية الفتيات، و”تكريمها” أمام أهل العريس.

إن الأمر يحتاج من المصلحين أن يغيروا العقلية السائدة لدى البعض واهتمامهم بنظرة من حولهم، وهي نظرة طبقية عنصرية يقع الجميع ضحية لها، فقد ذكرت إحدى الغارمات أنها لو وفرت لابنتها أقل من هذه المتطلبات فلن يلتفت إليها أي شاب في الأسرة أو المنطقة، وإذا علمنا العدد الهائل لحالات الطلاق والنزاعات والمعارك التي تدور حول المهر، يتبين لنا أن المجتمع في هاوية، فالاختيار غالباً ما يكون على أساس الأشياء المادية فقط، والأسرة تنجر وراء المظاهر، دون التفكير في اختيار الشريك الأفضل علماً وعملاً وأخلاقاً، ومصير الوالدين السجن، ومع ذلك لا يتراجعان عن المهر الباهظ، ولعل هذا أيضاً بسبب إلحاح الأبناء واستجابة لرغبتهم، ولكن هؤلاء الأبناء قد يختفون عندما يواجه الوالدان السجن؟!

لقد شهدت حالات مشابهة، عندما تكون الابنة يتيمة، وتذهب الأم إلى وزارة التضامن وتطلب المساعدات التي تقدمها عادة لهذه الفئات التي تحتاج إلى الحماية، وتتطلب الإجراءات إحضار عقد الزواج كدليل على الجدية، كما يتطلب الأمر إجراء تحقيق اجتماعي للأسرة للتأكد من استحقاقها للمساعدة. ولن أنسى أبدا كلمات إحدى الأمهات الغاضبة من هذا الوضع، قائلة: “أنتم تهينوننا وتشعروننا بالسوء أمام الناس”. وكشف التحقيق الاجتماعي أن هذه الأم نفسها حصلت على أكثر من جهاز لابنتها من خلال الذهاب إلى عدة جمعيات، وربما باعت بعضها بأبخس الأثمان.

كما لاحظت هذا السلوك يتكرر من قبل من يأتون طلباً للمساعدة مدعين المرض، وهي مجرد أعذار، حتى أن أحد الأشخاص طلب المساعدة مراراً وتكراراً، فحمل والده ذات مرة وصعد به إلى أربعة طوابق، حتى وصلنا إلى الأستاذ كمال الذي أعطاه ورقة ليكتب عليها طلب المساعدة، بشرط أن يعود مرة أخرى بعد دراسة الحالة. وقبل أن أغادر، ناداني الأستاذ كمال وأشار من نافذته المطلة على الشارع إلى الشخص الذي وصل للتو محمولاً على ظهر ابنه، وكيف كان يركض ويمرح بمجرد مغادرته المكان!

إنني إذا رويت هذه القصص، فلا أنكر الظروف الصعبة للغاية التي تواجهها الأسر في إعداد أبنائها، حيث ارتفعت أسعار كل شيء بالفعل، وهذا وضع يعاني منه حتى الأغنياء، ناهيك عن الفقراء. ولكن الهدف هو إعادة النظر في كيفية التعامل مع هذه المشكلة وغيرها من المشاكل التي تهم الفئات الأكثر ضعفا.

إن وجود المحتالين المحترفين لا يعني أن كل المحتاجين هم من هذا النوع، بل هناك من هم في أمس الحاجة إلى المساعدة، وهؤلاء أناس نبلاء متواضعون لا يمكن الوصول إليهم بسهولة، وهذه قضية تخص كل أشكال الدعم التي تتطلب حلولاً غير تقليدية من السياسات العامة حتى يحصل الفقراء على حقوقهم المنصوص عليها في الدستور، وحتى لا يتحول الدعم إلى «نصب واحتيال»، وهي تحديات ظلت أمام الحكومات المتعاقبة، وهي على رأس أولويات حكومة مدبولي الجديدة!

مصدر المعلومات والصور: البوابة https://www.albawabhnews.com/5034511

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من رأي الأمة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading